| تحرير محل النزاع: الاجتهاد قسمان: عام وخاص. فالعام: بذل الجهد في تطبيق أحكام الشريعة في حياتنا العملية، وهذا يكون من المجتهد ويكون من المقلد، وقد اتفقوا على أنه لا يخلو منه زمان. والخاص: بذل الجهد في استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة، وهذا وظيفة المجتهد المطلق، وهو محل النِّزاع، فاختلف فيه العلماء هل يخلو العصر منه أم لا؟ على مذهبين: المذهب الأول: أنه يجوز خلوُّ العصر عن مجتهد يمكن تفويض الفتاوى إليه، وإليه ذهب الغزالي والرازي والزركشي والرافعي وغيرهم. المذهب الثاني: أنه لا يجوز خلو الزمان عن مجتهد يمكن تفويض الفتاوى إليه، وإليه ذهب الحنابلة وغيرهم. الأدلة والمناقشة استدل أهل المذهب الأول القائلون بجواز خلو العصر عن المجتهد بأدلة شرعية ودليل عقلي: أما الأدلة الشرعية فهي: الأول: قوله -عليه الصلاة والسلام-: بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ . ووجه الاستدلال: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر أن الإسلام سيعود غريبًا، وهذا يدل على أنه يأتي زمان يخلو فيه عن مجتهد يمكن تفويض الفتاوى إليه. وناقش أهلُ المذهب الثاني الدليلَ: بأن الغربة لا تدل على عدم وجود من يدافع عن الحق ممن تقوم بهم الحجة، من المجتهد الذي يرجع إليه الناس في فتاويهم، بل ربما أشعرت بوجوده، بدليل قوله آخر الحديث: فطوبى للغرباء، الذين يصلحون إذا فسد الناس، أو يصلحون ما أفسد الناس . الثاني: قوله -صلى الله عليه وسلم-: إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبقَ عالم اتخذ الناس رؤساء جهالًا، فسئلوا فأفتَوْا بغير علم، فضلُّوا وأضلوا . ووجه الدلالة: أن الحديث دل على أنه يكون زمان لا عالم فيه يفتِي بعلم، ولازمُ هذا أن يكون زمان لا مجتهد فيه؛ لأن العلم أعمَّ من الاجتهاد، والاجتهاد أخصّ من العلم، فإذا انتفى الأعم انتفى الأخص ضرورة. ونوقش هذا الدليل: بأن الحديث محمول على أن ذلك يحصل بعد إرسال الريح اللينة التي يقبض عندها روح كل مؤمن ومؤمنة، جمعًا بين الأدلة. الثالث: قوله -صلى الله عليه وسلم-: تعلَّموا الفرائض وعلِّموها الناس، فإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيُقبض وتظهر الفتن، حتى يختلف الاثنان في الفريضة، فلا يجدان من يفصل بينهما . ووجه الاستدلال: أن الحديث دل على أنه يكون زمان لا يجد الاثنان من يفصل بينهما في الفريضة، ولازم هذا خلوُّ الزمان عن مجتهد يمكن تفويض الفتاوى إليه. ونوقش هذا الدليل: بأن الحديث غير صحيح، فقد رواه أحمد من حديث أبي الأحوص عنه نحوه بتمامه، والنسائي والحاكم والدارمي والدارقطني كلهم من رواية عوف عن سليمان بن جابر عن ابن مسعود وفيه انقطاع . الرابع: قوله -عليه السلام-: لتركبُنَّ سنن من كان من قبلكم شبرًا بشبرًا، وذراعًا بذراع . ووجه الدلالة: أن الحديث يدل على أن هذه الأمة تتبع سنن من كان قبلها، ويلزم من هذا خلوُّ العصر عن مجتهد يمكن تفويض الفتاوى إليه. ونوقش هذا الدليل: بأن الحديث لا يفيد أن الأمة كلها تتبع سنن من كان قبلها، وإنما المراد: الأغلب، ولا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق منصورة، مستقيمة عليه حتى تقوم الساعة كما ورد في الحديث . على أن من كان قبلنا قد بقيت منهم بقية على الدين الصحيح، حتى آمنوا بمحمد -صلى الله عليه وسلم- كعبد الله بن سلام وغيره. |